الرئيسية / قصص / حب فى الحافلة

حب فى الحافلة

– ركبتُ الحافلة وجلست بجهة النافذة، وجلس شخص مقابلي، وجهه لوجهي، خمّنتُ أن وزنه فوق المئة كيلو غرام، لهذا السبب أخرجته من حساباتي تماماً لدرجة أنني كنت أتصرف أمامه دون أن أكترث لاصفرار أسناني. كيف أهتم لرأيه في عيوبي وهو بالأساس ممتلئ بالعيوب التي لا تسمح له أن ينطق حرفاً بخصوص غيره؟ ليس ذلك وحسب، كان وجهه أحمر نحاسيّ، وكانت عيناه لطيفتان للغاية لدرجة أنني حسبته غبياً. في الحقيقة، رغم هذا المظهر المفجع له، إلا أنني غيرت رأيي عندما تحدّث قائلاً: «هلاّ أعدت لي بقيّة المئة ليرة؟!». لم أهتم لمضمون العبارة التي قد تحملّ معنى من البخل للبعض، بل نظرت إلى الموضوع على أنه قوة، ومن حقه أن يطالب بحقّه، فهو لم يجلب ماله من الشارع. نظرتُ إلى قدميه بطرفة عين، فوجدت أن حذائه من النوع المدوّر في مقدّمته، وكان يوحي لي أنه أحد أبطال مسلسل كرتوني، تكون الشخصية السمينة فيه دائماً مضحكة وعصبية، ومدوّرة من كل مكان. أدرت وجهي للنافذة وفتحتُها حتى نهايتها، فأثرت على نافذته هو وأغلقتها له من دون أن أنتبه فوراً، فوضع يده خلسة عليها، وراح يفتحها شيئاً فشيئاً وكأنني غير منتبهة، ثم ضحكت ضحكتي الغبية، وحاولت أن أبقي أسناني الصفر داخل فمي. أما هو فنظر إلي بدهشة واستغراب، وقد تورّد وجهه. أحسست حينها أنه طريف، وأن قلبي مال من دون أن أدري. وما أكثر ما مال قلبي دون أن أدري. حملت حقيبتي ونزلت، فاعتصر نفسه للجهة الداخلية محاولاً إفساح الطريق لي بإبعاد تضاريسه الجسمانية عني. وخرجت الضحكة التي كتمتها ونزلت كالمغفلة. وتمنّيت أنني لم أنزل، ولكن ماذا أفعل بنفسي، هذه محطتي..- دخلتُ إلى الحافلة وقد كانت ممتلئة، ولم أجد كرسياً إلا مقابل فتاة كانت ترتدي ثوباً أسود كأنها في عزاء. خمّنت أنها العنصر المشؤوم في البيت، بحيث لا تنطق إلا خراباً كما كان ينطق وجهها. أخرجتها من حساباتي لدرجة أنني تصرفت براحة شديدة، فلم أهتم لوزني. كان وجهها كقطعة أثرية، خالية من أي معالم تدلّ عليها. وقد كدتُ أنسى أن أسترجع بقية نقودي من هول ما رأيت. فقلت مرتبكاً «هلاّ أعدت لي بقية المئة ليرة؟!» نظرتُ إليها مجدداً فكانت الابتسامة ترتسم شيئاً فشيئاً، وكانت العينان مزدهرتان. حسبتُ أنني ركبت حافلة خاصة تقلّ المجانين إلى مشفاهم ولم أكن منتبهاً. ثم فتحت نافذتها فجأة وكادت تكسرها، وقد علق كمّ السترة التي أرتديها في النافذة، فحاولت أن أفتحها بلطف لألا أمزق كم سترتي وأنا أشده، فازداد وجهها غرابة ثم تحوّل إلى الاكفهرار. ظننت أنها جنّيّة، ثم أخذت أسبّح ربي وأستغفره. سمعت ضحكة منها، ضحكة مقطوعة، تشبه المقاطع الصوتية المعدّلة من قبل هاوٍ مبتدئ. فجأة نهضت من مكانها وظننت أنها ستنقضّ عليّ. مستعجلة! تأكدت تماماً أنها جنيّة، ورُحتُ أرتعد خوفاً خلال تلك اللحظات، اقتربت منّي فتجنبّتها، ظننتها ستصدمني وتحل عليّ لعنة ما، لكنها نزلت من الحافلة، أدركتُ أنني ظلمتُها، مع أنها توحي بأنها تظلم بلاداً بأكملها. لقد أحببتها، أحببتها لأنها وقعت ضحية لظنوني السيئة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.